حيدر حب الله

116

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وهكذا يعود نزاع المرتضى والطوسي لفظيا - إن صحّ التعبير - ويبدو أن ما جعله الأنصاري محكيّا عن المرتضى في تعريف العلم هو ما ذكره المرتضى فعلا في بدايات الذريعة في تعريف العلم بأنّه : « ما اقتضى سكون النفس » « 1 » . وتلحق بهذه المحاولة ، خطوة الشيخ محمد بن الحسن ( 1030 ه ) صاحب « استقصاء الاعتبار » ، حيث ذهب إلى حمل منع الشريف المرتضى على الخبر الخالي عن القرائن وعن الإجماع على العمل به ، فيما يحمل إجماع الطوسي على الخبر الخالي عن المعارض لإفادته العلم بسبب حصول الإجماع على الأخذ به « 2 » . لكن هذه المحاولة لا تحتملها أيضا عبارات المرتضى قدّس سرّه لكي يفسّر بها كلامه ، ذلك أنّه : أولا : إنّنا أشرنا من قبل إلى منهج المرتضى - الذي ذكره مرارا - في استنباطه بعد إسقاط حجية الخبر ، وقلنا : إنّ المرتضى يرى المرجع كتاب اللّه ثم السنة المتواترة ثم الإجماع ثم العقل ، ومن الواضح أن التواتر مما يفيد القطع كما هو المقرّر في المنطق وأصول الفقه سيما المنطق الأرسطي والمدرسة العقلية التي كان المرتضى من أقطابها ، فإذا كان الخبر المطمأن بصدوره لا على نحو اليقين داخلا في مدارك الاستنباط ، فلما ذا حذفه المرتضى حينما عدّد مصادر الاجتهاد ؟ ! سيما وأنه وصف المتواتر بالمفضي إلى العلم المزيل للشك والريب « 3 » ، وأما اليقين غير المتواتر فهو داخل حكما بوضوح في المتواتر ، لعدم احتمال عدم أخذ المرتضى به جزما ، والاختلاف معه في الصغرى غير ضائر ، بخلاف غير اليقين حتى لو كان اطمئنانا فإنّه يحتاج ليغدو معتبرا إلى دليل . ثانيا : إن الخبر الاطمئناني الموثوق به داخل في فهم المرتضى للخبر الواحد ، حيث فهمه - كما مرّ في ثنايا البحث السابق - بأنه ما لا يؤمن فيه من الكذب حتى لو كان الراوي عدلا ، فاحتمال الكذب وارد ، فيكون الإقدام عليه إقداما على ما لا يؤمن فساده ، وهو قبيح « 4 » . والخبر الاطمئناني فيه احتمال الكذب ، والوثوق به لا ينفي هذا الاحتمال كما هو واضح سيما في مدرسة العقل الكلامية ، وهذا معناه - بحسب فهم المرتضى - دخوله في خبر الواحد ومن ثم يلحقه حكم نفي الحجية . ثالثا : ما ذكره الشيخ محمد رضا المظفّر ( 1388 ه ) من أن الطوسيّ نفسه عرّف

--> ( 1 ) - المرتضى ، الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 20 . ( 2 ) - محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني ، استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار 1 : 23 - 24 . ( 3 ) - رسائل الشريف المرتضى 1 : 204 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 201 - 202 و 3 : 269 - 270 .